“وأذّن في الناس بالحج”.. صفحة نداء القلب قبل الأقدام
بقلم: حنان فيصل
مع اقتراب موسم الحج، تعود إلى القلوب تلك الدعوة الخالدة التي أطلقها نبي الله إبراهيم عليه السلام، فبلغت الآفاق، واستقرت في وجدان المؤمنين جيلاً بعد جيل: “وأذّن في الناس بالحج”. لم تكن هذه الدعوة مجرد نداء للسفر إلى مكان مقدس، بل كانت نداءً عميقًا للروح، واستجابةً صادقةً لأمر الله، ورحلةً يتجرد فيها الإنسان من زحام الدنيا ليقف بين يدي خالقه بقلب منيب.
الحج ليس مجرد شعائر تؤدى، ولا رحلة جسدية تبدأ من المطارات والحدود وتنتهي بالعودة إلى الديار، بل هو رحلة إيمانية تبدأ من الداخل قبل أن تبدأها الأقدام. فكم من حاجٍ سار بجسده إلى البيت الحرام، لكنه حمل في قلبه شوقًا أعظم من المسافة، وخشوعًا أعمق من الطريق، ورجاءً صادقًا في رحمة الله ومغفرته.
في الحج تتساوى المظاهر، وتذوب الفوارق، ويقف الناس بلباس واحد ونداء واحد وغاية واحدة. لا فرق بين غني وفقير، ولا بين قريب وبعيد، ولا بين صاحب منصب وعامل بسيط. الجميع يردد: لبيك اللهم لبيك، في مشهد عظيم يذكّر الإنسان بحقيقة وجوده، وبأن الكرامة الحقيقية ليست بما يملك، وإنما بما يحمله القلب من تقوى وصدق وإخلاص.
إن نداء الحج هو نداء للتطهر من الأثقال، ومراجعة النفس، وتجديد العهد مع الله. هو فرصة ليعيد الإنسان ترتيب داخله، ويغسل قلبه من الحقد والكبر والأنانية، ويعود أكثر صفاءً ورحمةً ووعيًا بمعنى الحياة. فالحج مدرسة كبرى للصبر، والانضباط، والتواضع، والتسامح، والرحمة بالآخرين.
وفي هذه الأيام المباركة، تتجه الأنظار إلى المشاعر المقدسة، وتتحرك القلوب شوقًا إلى مكة والمدينة، ويستحضر المسلمون في كل مكان عظمة هذا الركن العظيم من أركان الإسلام. ومن لم يكتب الله له الحج هذا العام، فإن له نصيبًا من المعنى، بالدعاء، والعمل الصالح، وخدمة الناس، وإحياء قيم الحج في حياته اليومية.
فالحج لا ينتهي بانتهاء المناسك، بل تبدأ ثماره الحقيقية بعد العودة. يعود الحاج وقد حمل رسالة جديدة في حياته، رسالة عنوانها النقاء، والالتزام، وخدمة الآخرين، والتواضع أمام عظمة الخالق.
إن قوله تعالى: “وأذّن في الناس بالحج” ليس نداءً للماضي وحده، بل نداء متجدد لكل قلب يؤمن بالله، ولكل روح تبحث عن الطمأنينة، ولكل إنسان يريد أن يبدأ من جديد.
وفي صدى المغتربين، ونحن نواكب هذه الأيام الإيمانية العظيمة، نرفع التهاني لكل الحجاج، ونسأل الله أن يتقبل حجهم، ويغفر ذنوبهم، ويردهم إلى أهلهم سالمين غانمين، وأن يكتب الحج لكل مشتاق، وأن يجعل لنا جميعًا نصيبًا من بركة هذه الأيام المباركة.
صدى المغتربين
منبر إعلامي يهتم بقضايا السودانيين، ويحتفي بالكلمة الصادقة، والرسالة الهادفة، والقيم التي تجمع الناس على الخير